حيـــــرة العــــــاشق
بقلم / محمد بوحوش*
قراءة في المجموعة الشعرية " يتغمدني بالنشيد الرماد "
للشاعر محمد علي الهاني
تصــديــر :
" إن الشعراء والروائيين هم أعزّ حلفائنا وينبغي أن نقدّر شهاداتهم أحسن تقدير لأنهم يعرفون أشياء بيد السماء والأرض لم تتمكّن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس شيوخنا نحن الناس العاديين لأنهم يرتوون من منابع لم يتمكّن العلم من بلوغها " سيغموند فرويد "هذيان وأحلام ".
1- مقـدمـــة :
كان "أورفيوس" بألحانه الساحرة يروض حتى الوحوش التي استكانت من فرط عذوبة ألحانه وقد ذهب منها التوحش والافتراس . ومثله كان الكلام المبين الذي يوقع النفوس مؤانسة وطربا ودهشة وسحرا.
وقد بنت العرب على الكلام أقوالها المأثورة ‘الشاعر أمير الكلام’ و’إنّ من البيان لسحرا’ وهو الكلام الذي يستعاذ بالله منه لفتنته وسحره. فالشاعر خيميائي أو كيميائي العصر بامتياز يؤلف من اللغة سحرا وفتنة وغرابة ودهشة ويكسو أفكاره ومشاعره فنا خالصا يوهم ويوقع الإنسان في شراكه. فللكلمة وقعها وفتنتها لذلك فإنّ الأفكار إذا ما استوعبها الناس استولت على قلوبهم وعقولهم وصارت إلى قوة مادية وفعل تغيير.
حتى الآن مازالت قاطرة الشعر المدمّاة محملة بالأحلام والقيم الجميلة وبكل ما هو إنساني ونبيل.
وفي هذه المنزلة تأتي قراءتنا للمجموعة الشعـرية المـوسومة بـ"يتغمّدني بالنشيد الرماد"1 للشاعر التونسـي ‘محمـد علـي الهانـي’ . وإذا كانت للقراءات مداخل ومناهج
* كاتب و شاعر تونسي
ومفاهيم تحكمها لتحليل الظاهرة الشعرية وصفا وتأويلا للوقوف عند خصائصها وفـرادتها
فإنّ هذه القراءة تقطع مع كل ما هو تقليدي ووصفيّ لتكون قراءة قارئ عاشق متعشّــق لمقاصد الكلام باحث عن إمكانات مفتوحة على التأويل.
2- مناخات الخطاب الشعري :
الشعر هو هذا الانحراف والانزياح عن المألوف من القول وله مناخاته ومنطقه الخاص. فهو خطاب في مستوى ثان للغة "غير النثرية" مرسل على فكرة أو أفكار ذات علائق وتجانس. والمناخ يتجاوز الغرض والموضوع. فهو بؤرة هي بمثابة ضوء يتعدد في اتجاهاته ويتلاشى ليتجمع من جديد في منطقة ما هي مركز لأفكار ومشاعر متضاربة ومتناقضة أحيانا إلا أنها تشترك في خاصيات محددة. وقد أمكن وفق هذا المنظور تنويع قراءة الديوان على محاور هي تباعا : الشعر على الشعر، وطن الشعر، حيرة العاشق .
3- الشّعر على الشّعر :
للشعر تقاطعاته مع عناصر متعددة أبرزها الواقع والذاكرة والأسطورة والسحر والدين والمعرفة والموت والحلم واللاوعي والطفولة … لكن ماذا عندما يتقاطع الشعر مع الشعر؟.
الشاعر باعث البهجة من رحم الجرح فإذا هو سماء من الصحو وقامة من الفرح:
إنّ جرحـي قـوس قــزح2
والتقوّل في الشعر وعليه يتخذ لدى ‘محمد علي الهاني’ معاني ورموزا شتى فهو فرس النار الراقد في الأعماق أو هو جرح مفتوح على الأيام والألوان… ألم أزلي يحمل طعم الموت ولون الإرهاق لكأن الشاعر مخبرٌ لكل هذا وذاك منتج للعشق والحياة ورغيف الكلام السلسبيل من رحم العذاب يقول :
احرقنـي … ! احرقنـــي … !
فرمـــادي مـاء حــياة للمـوتــي
ورغيف للجوعى ، ورسـول بين العشـاق3
والشعر بمثابة قمر يُولّـدُ صورا وأهازيج ومسافات مخضوضرة. إنه الوردة التي تكبر في قلب الشاعر والفجر المشتعل بالأحلام حتى أن اللغة هي الأخرى بمثابة شمس تلملم شتات الشاعر ليزهر قمر الشعر نغما وفرحا ومُنى.
ثم إن الشعر هو أيضا جرس للأوجاع وقمر للحزن يستحيل إلى يواقيت من نار ونور فوق شفاه الآهات واخضرار للمسافات عند الشروق. والشاعر بلبل غرّيد يجمّع الضوء ويغزل حلو النغم يقول :
بلبل فـارق الـعشّ نحو القمــر
واستـوى فوق النجوم يجمّع ضوءا
وبالـضّوء يـغزل حـلو الــنغم4
لقد عرف الشعراء بنرجسيتهم المفرطة و تساميهم وغرورهم أحيانا فالشاعر كائن متعال ولا شك. فهو لذلك يمجّد ذاته ويضخّم آلامه يقول محمد علي الهاني :
فــي دهـالـيز الوجـاع : مرهق حـتى الصــداع
مـوغل فـي الزحف نـارا : نحو أزهــار الشعــاع
طــائر الـفينـيق إنّـي : عـائد بعد الضيــــاع
والجــراح الخضر شمس : ودمـي القــاني شـراع5
هنا يكون الشاعر طائر الفينيق هذا الأسطوري الذي يموت ويحيـا من رماده وهنا أيضا تتجلّى إحدى المواضيع التي استنزفها الشعراء قولا فلا شيء سوى الاحتفاء بالصور الشعرية وكأن اللغة تولع في قول ذاتها لذاتها تفننا في الصياغة والتصوير.
وفي مقام آخر يأتي القول الشعري في صيغة إجلال الشاعر لهذا النمط من القول حتى أنه يهبه أجنحته واخضراره. فشعر الشاعر هو معادل للصباح والصداح والأقاحي والربيع والنبض والجراح إلى غير ذلك من المفردات من قبيل الاخضرار والانتظار والانشراح والتغريد. لكأن الشعر هو بهجة الشاعر ودليله في الحياة :
مضـيئا تمرّ كصبح يحاور نبضـي
فأمضــي إلى حيث تمضــــي
ولست أضلّ فأنت صبــاحـــي6
في نزيف الصور الشعرية والإحالات الاستعارية المتوالية وفي مناخ سريالي يقطع مع المنطقي والدلالي والعقلاني تجيء بعض القصائد مفتوحة على احتمالات تأويل لا تنتهي. إننا أمام قصيدة مفتوحة على كون من الاحتمالات الدلالية إذ أن التعتيم عبر الصور السريالية والرموز والمجازات جعل من القصيدة عالما من التعمية والألغاز. وهنا تتكوّن اللغة في احتفالية مبهرة تنتصر لإيقاعها وبلاغتها ورقصها الخاص الذي لا يحصرها في أي دلالة معينة :
النوافير تبحث عن وردة في دمي
يتوهّج في نسغها بيدر
والصباحات تخرج من عشبها
باقة من وعود .
النوافير تبحث عن وردة في دمي
كلما هبّت الريح حصّنها عاشق بالنشيد7
إن تداعي الصور وكثافتها ساهم في انفلات الدلالة إلا أن بعض الومضات الشعرية ساهمت في إنارة عتمات القصيدة وعند هذا الحد فإن الصورة الشعرية مثلما يشير"لويس أراغون" في استعادة لأفكار الحركة السوريالية ورائدها "أندري بروتون" إلى أن إثم السوريالية هو الاستعمال اللامعياري والرغبة المفرطة في هوس الصورة ليتجلّى الشاعر خالقا وخزّافا محمّلا بالفراشات جاعلا من اللغة طينه العاري ويتمثّل لنا في صورة إلاه خلاّق مالك لمادة الخلق وهي الطين الذي هو عجينة يشكّلها كيفما شاء ليصنع قصائده :
والطين في عريه
يتنقّل من لهب في النّزول
إلى لهب في الصعود ؟8
بهذه الاستعارة الموسّعة للخلق الإلهي يقف الشاعر في حيرة أمام أسئلة الوجود الكبرى متخذا من مادة الخلق ( الطين/اللغة) حلما ونشيدا :
مطر… مطر
يستفيق الندى من مباهجه
سفر … سفر
يستريح الندى من صواعقه
ويعود إلى أمّه عاريا مثل سنبلة
يحمل الطين والطمي
آه! لماذا يحمّـلني الطين كل كوابيسه
وأحمّـله حلمي وانتشاري9
هكذا يحمّـل الشاعر طين اللغة حلمه وانتشاره وخلوده وكيف له أن يموت؟ :
أنا لن أموت …
وإن متّ….
يسترجع الميتون فوانيسهم
من دمي واخضراري10
سؤال الوجود الكبير هو البحث عن الخلود ولا شيء يخلد الإنسان بعد موته سوى الفن.
وأخيرا فإنّ الشّاعر حين يتقمّص حالته ليعبّر عنها يستدعي معجما غنيا من المفردات يتوزّع بين كونين، كون من الجمر والجرح والاشتعال والصهيل والزحف ودحرجة الرياح للإحالة على حقل من الآلام تعتمل في ذات الشاعر كي يُولّـد الكلام، وكون معجمه من اللّقاح والحلم والجناح والنشيد والبروق والصباح الجديد. وبين هذين الكونين يكون الشّاعر بمثابة جواد :
تكلّم ، تكلّم …
فليس الكلام مباحا
وأسرج جوادك يحمل صهيلك للميّتين لقاحا11
هكذا يصبح الشاعر حمّال لقاح وصانعا للصباح عبر معاناة كأنها زحف نحو الأعالي.
4- وطن الشّاعر:
إن الوطن لدى "محمد علـي الهانـي" وطنان ، وطن للصلب والحتف والاغتــراب
والمنفى وآخر للشدو والأحلام والفرح الآتي :
في المنفى أبقى مصلوبا 12
فما زال الوطن من الموضوعات المتداولة في الشعر وها هو الشاعر في أهازيجه وأغانيه يسمو بالوطن إلى مراتب المعشوق الأوحد وإلى ما هو جليل ومقدّس. وهو في هذا المضمار يدور في فلك الفكرة المستعادة فمدح الوطن والإطناب في مدحه من صفة العشّاق:
… يتوهّج في خافقي
وطني كوكبا من ذهب.
ويقول أيضا:
يا وطني، أنت فوق الصّفات وفوق النعوت.13
إلاّ أنّ الوطن ليس هذا الفردوس الأرضي الذي نجلّـه ونعشقه بل هو أيضا قضايا وأيّ قضايا ؟ أوليس من حق الشاعر أن يعتب على الوطن أحيانا ليكشف عما يعانيه الإنسان من عذابات واغتراب وحرمان لا سيّما إذا كان هذا الإنسان شاعرا ؟ ولئن كان ‘محمد علي الهاني’ في بعض قصائده عن الوطن يخوض في غرض متداول وتقليدي معهود ومكرور. فإنّه في عديد القصائد الأخرى يحشرنا في أفق أكثر اتساعا. فالوطن لديه ليس حفنة من تراب أو مساحة جغرافية محددة بل هو كون يمتد من الماء إلى الماء مكلّلا بأنجم مزهرة ولعل النجمة الأكثر سطوعا وبريقا وألقا هي نجمة العراق:
فإذا انتفضت في دمي نجمة
وتطاير منها الضياء
وضعت يدي فوق قلبي
وقلت : العراقْ 14
هذا الوطن الأجمل الذي كان حلما عربيا تشرئب إليه الأعناق لما حمله من مشروع نهضوي ولد من رحم الخراب العربي.
ومن مظاهر التـغنّي بالوطن وبالبطولة العربية تناول الشاعر للانتفاضة الفل
المزيد